جلس في عربة القطار وكانت جالسة في مقعد مقابل له القطار صاخب بالحركة والضوضاء إستعداداً للإنطلاق ،تعلقت عيناها بخارج النافذة كأنها تودع ماضٍ عاشته طويلاً ،إرتسمت علي شفتيها إبتسامة رضا تفشي سعادتها بهذا الوداع .خطر بباله حين رآى نظرتها تلك أنها مثله ارادت الرحيل من الماضي او ربما انتظرته تماما كما حلم طويلاً أن يودع ما مضي من عمره لحياةٍ جديدةٍ وهو ما يفعله في هذه اللحظة راكباً القطار الذي لم يحاول أن يعرف وجهته ،المهم انه سيغادر المدينة. ترك عشرات السنين في هذة المدينة بإرادته حاملا منها فقط حقيبةً حرص أن لا تحتوي ايٍ من ذكريات السنين يكفيه ماتحمله ذاكرته ويتمني حتي لوتخلص منه.
مستتراً بنظارته السوداء تفحص ملامحها أخذته عينها التي يبدو أنها قد تركزت عليه في محاولة لإستبيان ماتخفيه نظارته . إستغرق في التفكير فيها ، يبدو انها وحيدة مثله فلا رفيق لها في سفرها ، ربما هناك من ينتظرها في محطة الوصول المنشودة! وإن كان لا يبدو عليها لذلك ، لو كان لها حبيب لكانت الان تهاتفه وتخبره عن موعد وصولها او تتعلق عينها برسائله في هاتفها بدل من التعلق بغريب لمحته منذ ثوان قليلة.
كلما تفحصها اكثر شعر انها تفكر فيما يشغله أيضاً ، وبالفعل كانت تفكر في هذا الغامض المرتبك هل يصلح ليرافقها حيث تتجه ! تتمني لو يزيح نظارته لتعرف ان كان ينظر لها ايضا .
سبح في تسؤلات لا تنتهي ، هل سيأخذها لمدينته الجديدة أم تذهب به الي مدينة اخري ؟ وهل سيحب العيش في تلك الاخري؟ يخشي ان تعود به إلي حيث يغادر!
علت اصوات المحركات التي تسبق تحرك القطارات ، أزاح نظارته فرأت عينيه وتأكدت من شغفه بها مثلما شغفها ، تحرك القطار الذي يقله وفي نفس اللحظة تحرك من الرصيف المجاور القطار الذي تجلس هي فيه ، تحركا معاً و لكن في إتجاهين متعاكسين ، تسارُع القطارين و إتساع المسافه جعلها فقط تستطيع رؤية الورقه التي فردها بكلتا يديه علي نافذته ولا تستطيع قرأة اسمه أو رقم الهاتف المكتوبين عليها .
اقوي المرافعات لا قيمة لها بعد أن ينفذ الحكم.
