Thursday, 28 February 2013

عود




أفتقد الجميع ، جميع من كانوا هنا قبل زمن . وقبل أن اصبح وحيداً في هذه الحجرة المظلمة حيث وجدنا وعشنا جميعاً . عشنا في صمت دائم وإن كان وجودنا معا قد خلق بيننا لغة حوار من دون كلمات ،ربما كان مصدر هذه اللغة هو الدفئ الناتج عن إكتظاظنا في الجحرة الضيقة أو نتج حوارنا الصامت من التجاور الدائم لرؤسنا وكأنها كانت تتناقل الأفكار فيما بينها. إنقطعت صلتي بالجميع منذ الحادث الذي ألم بي ذات نهار فكسر ساقي وجعل رأسي هي السفلي فلا تصل لبقية الرؤوس ومع كسر ساقي قد كسر حماسي عندما أيقنت أن لا أمل لي في الخروج من سجن هذه الحجرة الضيقة.فما الفائدة من حياة لا نتطلع فيها إلي شيء ! إنصرفت إلي داخلي الحزين ولم أعد أهتم بشركاء الحجرة الأخرين وشؤنهم .حتي أدركت بعد نهار أن أخرهم قد إنصرف عني وأن مصيري هو أن أمكث بها وحيداً .
 لا أعلم بالتحديد كم مر من الوقت بعد أن إنصرف آخر من صحبوني  فلم نعرف هنا للزمن حساب ، لا نعرف من مظاهر الحياة سوي ذلك النهار الذي يزور غرفتنا للحظات قليلة يقطع فيها الظلام التام ببعض الضياء . ويفصل بين كل نهار و بين الذي يليه فترات قد تطول أو تقصر علي غير إنتظام فلا يصلح لأن يكون مقياس دقيق للوقت ومع ذلك فهو الوسيلة الوحيدة التي أملكها لحساب عمري الذي بلغ منذ إدراكي و حتي الأن 49 نهاراً منهم 21 نهاراً بعد إصابتي في الحادث و إعاقتي . حدثت إعاقتي في النهار الثامن والعشرين وكنت أظنني علي وشك الخروج من  الحجرة في ذلك  النهارولكن تنافسي مع أخر علي الخروج قد سبب ذلك الحادث اللعين الذي أبقاني أراقب الأخرين يغادرون واحداً تلو الأخر كل منهم في نهاره . كما ذكرت يأتي النهار علي فترات متفاوتة ولكن كل النهارات تشترك فيما يحيطها من ظروف غريبة تشهدها الحجرة من هزات شديد قبل ميلاد النهار مباشرة وهزات أخري أشد من سابقتها  فور إنقضاء النهار القصير. من المؤكد أيضاً انه مع كل نهار تمتد يد القدر لتخرج أحدنا من سجننا وهو -أصدقكم القول- ما أحسد عليه الجميع ، جميع من أخرجوا إلي الحياة التي لولا إعاقتي لكنت سبقتهم إليها  .فأنا أقسم بأني قد علقت بيد القدر أكثر من مرة ولكنها تستبدلني بآخر سليم عندما تظهر علتي.
أشعر بالحجرة تهتز بي بشدة فتقذف بي بين حوائطها ،لابد أنه نهار قادم .سيكون ذلك النهار نهاري بلا شك ، فالحجرة خالية إلا مني. أكاد أحترق لمعرفة كيف تبدو الحياة خارج الحجرة.أري النور الأن أنه نهاري وقد مكث أطول من السابقين لعلة يبحث عن غيري عن سليم غير مكسور ولن يجد غيري ،أشعر الأن بيد القدر تنتشلني لأودع تلك الحجرة التي كرهتها أكثر ماكرهت ولن أعود إليها مهما كان الثمن.أتنفس أول أنفاسي خارج جدران الحجرة وأري الحياة الكاملة ، أري...تشيككك
التوقيع:
"أخر عود كبريت في العلبة"

Friday, 8 February 2013

كلمات متقاطعة



سما : 

لا أستطيع أن أحدد من منا سيكون هدية الحياة للآخر !  قد يهبني رقي ومال وشهرة لكني سأهبه الحياة نفسها، كيف لا وأنا من قبلت الزواج به رغم إستغراب صديقاتي من أن أتزوج من يتجاوز عمره عمري بأكثر من عشرين عاماً وأنا الجميلة التي يخطب رضاها الكثير ممن هم أقرب إليها سناً . سنتزوج كذلك رغم عدم ترحيب خالتي، نعم خالتي ! فخالتي هي كل أسرتي بعد وفاة أبي و أمي في حادث كنت وحدي من نجوت منه وبعد أن فارقنا جدي وأبوها لمثواه الأخير بعدة أعوام .
لم أهتم بإعتراض الآخرين فصديقاتي كونهن من المرفهات اللاهيات ظنن أن الحياة فيلم سينمائي تنتظر فيه البطلة فارسها يأتيها علي فرس أبيض ويحملها إلي قصر بعيد ذو حدائق تزفهما عصافيرها وتزينهم زهورها ، أحلامهم ليست بعيدة فلقد ملكن بثروات أبائهم الخيول والقصور والحدائق والزهور ولا يتبقي عليهن سوي إختيار أحد الفرسان المنتظرين لكلمة رضا من إبنة صاحب المال المأمول أو إبنة صاحب المركز المرموق ، وتري من أين لي بذلك الفارس الذي يتمني يتيمة ذات حمل ثقيل وفقر ظاهر و إن أخفته! و إن جاء ( كما حدث مرة ) فمن أين لي وله بالفرس والقصر والبساتين ؟ نملك فقط أن نري العصافير صماء تطير بأحلامنا .
إعتراض خالتي هو ما فاجئني فهي  تعيش ما أعيشه من ضيق ذات اليد ورقة الحال التي أبعدت عنها كل خطيب فوعيت علي الحياة لأجدها لا تحلم بالزواج ككل فتاة وتعزي نفسها بأني أملها ورسالتها في الحياة .فكيف إذا لا تخشي علي من مصيرها ! و أعجب كيف ترفض زواجي منه  وهي من عرفتني عليه في الأساس ! سأتزوج ياسين وإن رفضت ،لن أضيع الفرصة

ياسين :
من هنا بدأت ومن هنا أعود لأبدأ مرة أخري . قبل ثلاثين عاماً جئت من محافظتي طالباً طموحاً لا يملك سوي موهبة واعدة في ريشتة ودخل قليل من عمل ليلي تنوع بين عدة وظائف إختلفت فيما بينها في كل شيء و إشتركت  فقط في قلة المقابل المادي والشأن . من كان يتصور أن غرفة شبه خالية علي سطح عمارة أقل من العادية تخرج إلي النور فنان البلاد الأول الذي تباع لوحاته الأن بألاف وتتباهي معارض العالم بحضوره هو أو أحد أعماله بها .

خرجت من هذا الحي ناجح فنياً تعيس عاطفياً ، ومع ذلك كنت أحبه وأعشق ذكرياتي فيه ، كما أقنعت نفسي أن معاناتي العاطفية في حبي الأول لأبنة الجار الميسور الحال (نسبياً) هي ما أخرج إبداعاتي وما أعطي لريشتي لسان شاعر وأنغام ناي وكأني نقلت قلبي لريشتي لتنبض هي وتتوقف نبضات الحب في صدري لسنوات طويلة . علمت بعد ذلك بزواجها ، كنت أتمني في كل يوم أن تري ماصرت عليه وتعرف قيمة من رفضت حبه وصدت مشاعره .
 منذ أسابيع جائت بي الصدفة إلي حيي القديم وخطر ببالي زيارة البيت الذي بدأت منه و هناك صادفت سما لأول مرة ، دعتني هي وخالتها إلي الشاي في منزلهن . أخبرتني خالتها أن سما هي إبنة أختها الي توفيت في حادث .لم تكن في حاجة لتخبرني ، لأن سما كانت شديدة الشبه بأمها .شبه أعاد لعمري عشرات الأعوام و أعاد لصدري النبض الذي غاب عنه .
لا أعرف من شجعني علي هذه المغامرة وحب من سبقتها بجيل ، هل شجعني ذلك الشاب الذي عاد من جديد و فإرتدى جسمي أم شجعني ما وجدته منها من إعجاب و إنبهار وشت به تلك النسخ المقلدة للوحاتي التي تملأ بيتها و تلك المجموعة من الجرائد والمجلات التي تحمل صوري و أخباري وتحتفظ بها في مكتبة بيتها ورأيتها صدفة بعيني .

خالتها فقط هي من تحول بيننا ! أتقف هي أمام سعادتي مثلما وقفت أختها منذ سنين؟ لكني لن أهرب هذه المرة وسأنتزع ما أريد، لذلك أتيت الأن لمقابلتها في المدرسة التي هي ناظرتها ، وواعدت سما لتلقاني هناك.

"من فضلك مكتب الأستاذة هدي "

هدي :
في رحلة الحياة يسير قطار الزمن والانسان ، بعض الناس هم العربة التي تجري علي شريط الزمن والبعض الآخر يكتفي و يرضي بأن يجري الزمان عليه .
ولابد ان معدني الصلب هو ما أهلني للعب دور شريط القطار الذي ينتظر دائماً ما سيأتي به الزمن من عربات تمر علىْ وترحل بعد أن تترك حرارة سريعاً ماتبرد و علامات نادراً ما تزول .
عرفت الحب من قصص قرأتها أو سمعتها من تجارب صديقاتي وعشت انتظر أن تكتب قصتي مع من سيشاركني فيها .أعرف أنكم تتوقعون الأن البقية التقليدية لقصتي من أن ذلك المنتظر لم يأتي أبداً و أني تنبهت بعد ان كانت كل عربات الحب قد مرت ، لا ليس هذا ما حدث وأرجوكم كفي توقعات لما بداخلي ! قد أتي المنتظر و وجدته كما تخيلت تماماً ، فبدأت في كتابة تفاصيل قصتنا التي حلمت بها والتي كانت ستحمل لكل منا نهايات أكثر من سعيدة .لولا أنه كان مستغرقاً يكتب قصةًًًًًً أخري عن غيري .من دون مشاركته عشت أكمل قصتنا وحدي وإستغرقت فيها تماماً حتى ظن من حولي أني عزفت عن الحب ولم يعرفوا أني غارقة فيه .
حملت بعد ذلك عربة "سما" الطفلة التي جعلني القدر كل من لها فالدنيا فأحببت ما أتي به القطار إلي هذه المرة وتفانيت من أجلها و لا أتمني أكثر من سعادتها .
تظن أنه أحبها وهي لا تعلم انه لا يريد الزواج منها بل يريد الزواج من صورة لأمها ،ولا تعلم أنه سيفيق يوماً من لوثته الفنية ليري أن الصورة لا يمكن أن تنطبق علي الأصل . كل ماتفكر فيه هو أن تخرج من حينا الفقير إلي رحابة حياة البذخ التي تحلم بها .
وهو كيف لم يلحظ كل هذه المجلات التي جمعتها عي مر السنين لأتصيد صورة له أو خبر من أخباره يبقيني علي صلة به ! أو لم يستنتج أي شيء من لوحاته التي ملأت بيتي! لم ينتبه مرة ثانية إلي مشاعري تماماً كما ألهته حبيبته الأولي من ثلاثين عام عن أن يلحظ حبي له ، قديماً حبيبته الأولي و الأن صورتها ! أتأثيرها قوي لهذا الحد! لدرجة ان تلهيه ميتة عني و أنا حية ! لن أكون بعد الأن الشجرة ذات فروع الحب التي تنتظر أن ياتيها حبيبها لمتنحه ظلها وأن لم يأتي ذبلت دون البوح بحبها . سأمد فروعي اليه.
طق طق طق ..صوت دقات الباب عقبه صوت الساعي " الأنسة سما معها شخص أخر يستأذنون الدخول يا أستاذة "