أفتقد الجميع ، جميع من كانوا هنا قبل زمن . وقبل أن اصبح وحيداً في هذه الحجرة المظلمة حيث وجدنا وعشنا جميعاً . عشنا في صمت دائم وإن كان وجودنا معا قد خلق بيننا لغة حوار من دون كلمات ،ربما كان مصدر هذه اللغة هو الدفئ الناتج عن إكتظاظنا في الجحرة الضيقة أو نتج حوارنا الصامت من التجاور الدائم لرؤسنا وكأنها كانت تتناقل الأفكار فيما بينها. إنقطعت صلتي بالجميع منذ الحادث الذي ألم بي ذات نهار فكسر ساقي وجعل رأسي هي السفلي فلا تصل لبقية الرؤوس ومع كسر ساقي قد كسر حماسي عندما أيقنت أن لا أمل لي في الخروج من سجن هذه الحجرة الضيقة.فما الفائدة من حياة لا نتطلع فيها إلي شيء ! إنصرفت إلي داخلي الحزين ولم أعد أهتم بشركاء الحجرة الأخرين وشؤنهم .حتي أدركت بعد نهار أن أخرهم قد إنصرف عني وأن مصيري هو أن أمكث بها وحيداً .
لا أعلم بالتحديد كم مر من الوقت بعد أن إنصرف آخر من صحبوني فلم نعرف هنا للزمن حساب ، لا نعرف من مظاهر الحياة سوي ذلك النهار الذي يزور غرفتنا للحظات قليلة يقطع فيها الظلام التام ببعض الضياء . ويفصل بين كل نهار و بين الذي يليه فترات قد تطول أو تقصر علي غير إنتظام فلا يصلح لأن يكون مقياس دقيق للوقت ومع ذلك فهو الوسيلة الوحيدة التي أملكها لحساب عمري الذي بلغ منذ إدراكي و حتي الأن 49 نهاراً منهم 21 نهاراً بعد إصابتي في الحادث و إعاقتي . حدثت إعاقتي في النهار الثامن والعشرين وكنت أظنني علي وشك الخروج من الحجرة في ذلك النهارولكن تنافسي مع أخر علي الخروج قد سبب ذلك الحادث اللعين الذي أبقاني أراقب الأخرين يغادرون واحداً تلو الأخر كل منهم في نهاره . كما ذكرت يأتي النهار علي فترات متفاوتة ولكن كل النهارات تشترك فيما يحيطها من ظروف غريبة تشهدها الحجرة من هزات شديد قبل ميلاد النهار مباشرة وهزات أخري أشد من سابقتها فور إنقضاء النهار القصير. من المؤكد أيضاً انه مع كل نهار تمتد يد القدر لتخرج أحدنا من سجننا وهو -أصدقكم القول- ما أحسد عليه الجميع ، جميع من أخرجوا إلي الحياة التي لولا إعاقتي لكنت سبقتهم إليها .فأنا أقسم بأني قد علقت بيد القدر أكثر من مرة ولكنها تستبدلني بآخر سليم عندما تظهر علتي.
أشعر بالحجرة تهتز بي بشدة فتقذف بي بين حوائطها ،لابد أنه نهار قادم .سيكون ذلك النهار نهاري بلا شك ، فالحجرة خالية إلا مني. أكاد أحترق لمعرفة كيف تبدو الحياة خارج الحجرة.أري النور الأن أنه نهاري وقد مكث أطول من السابقين لعلة يبحث عن غيري عن سليم غير مكسور ولن يجد غيري ،أشعر الأن بيد القدر تنتشلني لأودع تلك الحجرة التي كرهتها أكثر ماكرهت ولن أعود إليها مهما كان الثمن.أتنفس أول أنفاسي خارج جدران الحجرة وأري الحياة الكاملة ، أري...تشيككك
التوقيع:
"أخر عود كبريت في العلبة"
"أخر عود كبريت في العلبة"

.jpg)