ملعقة
من زيت الزيتون، أخرى من عسل النحل وكوب من الماء الفاتر، في كامل هندامه غادر
سعيد البيت قاصداً عمله بعد أن بدأ يومه بداية صحية (صحية: كلمة تطلق على الأشياء
التي يُعتقد انها تحافظ على كفاءة الجسم البشري او التي تطيل عمر الجسم الذي لا
نعرف فائدة من إطالة عمره).
على
عكس الهدوء الصباحي المعتاد في المجمع السكني الذي يسكنه، شاهد سعيد مجموعة من
العمال يحملون أدواتهم ويدخلون الفيلا المجاورة لفيلته. واستنتج أنهم أخيراً
سيبدؤون في ترميم الفيلا بعد حادث الحريق الذي أتى عليها منذ شهرين كما أتي على
ربة المنزل مدام آمال. ألقي نظرة على المنزل المحترق ومن ثم التفت إلى طريقه ليخرج
إلى شوارع التجمع الخامس متجاوزاً بوابة الكومبوند (الكومبوند: محل إقامة اُستحدث
في القاهرة مع بداية الألفية الثالثة، انتشر ذكره في بداية العقد الثاني من الألفية
ثم أصبح شارة الوجاهة الاجتماعية في النصف الثاني من العقد الثاني).
ترميم
منزل الجيران حدث لا يخص سعيد في شيء، غير ان سعيد يظن أن ترميم المنزل سيجعل
زوجته تنسى هذ الحادث. سأم سعيد من نقاشات زوجته المتكررة حول هذا الحادث وتصميمها
على أن الحادث لم يكن حادثاً! فهي لا تتفق مع رواية الجميع بما فيهم أجهزة البحث
الجنائي التي حققت في الحادث! تبرأ زوجته الماس الكهربي من التسبب بالحريق وتتهم
مدام آمال نفسها! تعتقد أنها انتحرت بإشعال النار في نفسها وهي وحيدة في المنزل
بعد خروج زوجها وابنيها. قد ينجح إخفاء معالم الحريق في سحب الحادث من ذاكرة زوجته
وفي إثناءها عن ترديد رواية الانتحار والدفاع عن اعتقاد يصل إلى اليقين (اليقين:
هو ذلك الوهم الذي يظن الانسان او يتظاهر أنه وصل إليه وانه قد ترك له التحكم فيما
قد يفعل او لا يفعل).
تردد
زوجته انها قبل شهر من الحادث لاحظت علامات دالات على ما تنوي مدام آمال فعله. فقد
توقفت عن متابعة حديقتها وهي التي كانت تعتني بها وتنسقها بنفسها يومياً طوال
أعوام. وترجح ان مدام آمال في هذه الفترة عانت من حالة اكتئاب شديد نتيجة شعورها
بالوحدة وبأنها في هذه الدنيا غير ذات أهمية (الأهمية: هي مقياس مهم تستخدمه
الزوجات، تتناسب سعادتهن معه تناسباً طرديا و شعورهن بهذه الأهمية هي مسئولية
خالصة تقع على ازواجهن).
وكما
تري زوجته فإن المقدم على الانتحار يتعمد ارسال بعض الرسائل لتكون بمثابة فرصة
أخيرة يعطيها لمن حوله لإصلاح ما أفسدوه وما يدفعه لترك هذه الحياة. الانقطاع عن
عادات مبهجة أو التخلص من مقتنيات ذات قيمة كبيرة لدي أصحابها تعتبر الأكثر
استخداماً كرسائل قبل الانتحار (تختلف رسائل قبل الانتحار عن رسائل المنتحرين ففي
الأولي محاولة لتغيير واقع لا يطيقه صاحبه أما الثانية فهي تصل بعد إنهاء الحياة
وتحتوي غالباً أسباب الانتحار ويكون الغرض منها تخفيف الألم لدى المحيطين حتى لا
يشعروا بالذنب أو زيادة الألم لدى المحيطين وإشعارهم بالذنب).
في
المساء تجاوز سعيد بوابة الكومبوند للدخول هذه المرة، يتمني ألا تستقبله زوجته
مجدداً بالحديث عن مدام آمال ونظريتها عن انتحار مدام آمال! امام منزله فتح صندوق
سيارته ليلتقط حقيبة أعماله فرآي ذلك الكيس الأسود الكبير الذي اسكنته زوجته
السيارة منذ شهر طالبةً منه المرور بأحد الجمعيات الخيرية وتسليم فستان زفافها
المطبق داخل الكيس. وكما كل أيام الشهر الماضي، في الصباح نوى سعيد تنفيذ طلبها
وكما كل يوم ايضاً سهى عن الذهاب. رأى سعيد انه لا بأس ... سيوصله غداً لفرع
الجمعية الخيرية المجاور لشركته، فهي أيضاً لم تذكره بالذهاب بل ولم تتصل به طوال
اليوم. أضاء سعيد أنوار غرفة تلو غرفة في البيت المظلم تماماً باحثاً عن زوجته، لم
يجدها في الدور الأرضي فصعد الدرج الداخلي للعلوي باحثاً ومنادياً بلا جواب. وصل
للغرفة الأخيرة غرفة زوجته فتحها وأضاء نورها فلم يجدها ووجد علبة دواء فارغة
وملقاة على الوسادة بجوار جثمانها (جثمان هي كلمة لها نفس معنى جثة أو جسمان،
وتطلق على الجسد الميت).

