Saturday, 3 November 2018

على مالا يرام




ملعقة من زيت الزيتون، أخرى من عسل النحل وكوب من الماء الفاتر، في كامل هندامه غادر سعيد البيت قاصداً عمله بعد أن بدأ يومه بداية صحية (صحية: كلمة تطلق على الأشياء التي يُعتقد انها تحافظ على كفاءة الجسم البشري او التي تطيل عمر الجسم الذي لا نعرف فائدة من إطالة عمره).

على عكس الهدوء الصباحي المعتاد في المجمع السكني الذي يسكنه، شاهد سعيد مجموعة من العمال يحملون أدواتهم ويدخلون الفيلا المجاورة لفيلته. واستنتج أنهم أخيراً سيبدؤون في ترميم الفيلا بعد حادث الحريق الذي أتى عليها منذ شهرين كما أتي على ربة المنزل مدام آمال. ألقي نظرة على المنزل المحترق ومن ثم التفت إلى طريقه ليخرج إلى شوارع التجمع الخامس متجاوزاً بوابة الكومبوند (الكومبوند: محل إقامة اُستحدث في القاهرة مع بداية الألفية الثالثة، انتشر ذكره في بداية العقد الثاني من الألفية ثم أصبح شارة الوجاهة الاجتماعية في النصف الثاني من العقد الثاني).

ترميم منزل الجيران حدث لا يخص سعيد في شيء، غير ان سعيد يظن أن ترميم المنزل سيجعل زوجته تنسى هذ الحادث. سأم سعيد من نقاشات زوجته المتكررة حول هذا الحادث وتصميمها على أن الحادث لم يكن حادثاً! فهي لا تتفق مع رواية الجميع بما فيهم أجهزة البحث الجنائي التي حققت في الحادث! تبرأ زوجته الماس الكهربي من التسبب بالحريق وتتهم مدام آمال نفسها! تعتقد أنها انتحرت بإشعال النار في نفسها وهي وحيدة في المنزل بعد خروج زوجها وابنيها. قد ينجح إخفاء معالم الحريق في سحب الحادث من ذاكرة زوجته وفي إثناءها عن ترديد رواية الانتحار والدفاع عن اعتقاد يصل إلى اليقين (اليقين: هو ذلك الوهم الذي يظن الانسان او يتظاهر أنه وصل إليه وانه قد ترك له التحكم فيما قد يفعل او لا يفعل).

تردد زوجته انها قبل شهر من الحادث لاحظت علامات دالات على ما تنوي مدام آمال فعله. فقد توقفت عن متابعة حديقتها وهي التي كانت تعتني بها وتنسقها بنفسها يومياً طوال أعوام. وترجح ان مدام آمال في هذه الفترة عانت من حالة اكتئاب شديد نتيجة شعورها بالوحدة وبأنها في هذه الدنيا غير ذات أهمية (الأهمية: هي مقياس مهم تستخدمه الزوجات، تتناسب سعادتهن معه تناسباً طرديا و شعورهن بهذه الأهمية هي مسئولية خالصة تقع على ازواجهن).

وكما تري زوجته فإن المقدم على الانتحار يتعمد ارسال بعض الرسائل لتكون بمثابة فرصة أخيرة يعطيها لمن حوله لإصلاح ما أفسدوه وما يدفعه لترك هذه الحياة. الانقطاع عن عادات مبهجة أو التخلص من مقتنيات ذات قيمة كبيرة لدي أصحابها تعتبر الأكثر استخداماً كرسائل قبل الانتحار (تختلف رسائل قبل الانتحار عن رسائل المنتحرين ففي الأولي محاولة لتغيير واقع لا يطيقه صاحبه أما الثانية فهي تصل بعد إنهاء الحياة وتحتوي غالباً أسباب الانتحار ويكون الغرض منها تخفيف الألم لدى المحيطين حتى لا يشعروا بالذنب أو زيادة الألم لدى المحيطين وإشعارهم بالذنب).

في المساء تجاوز سعيد بوابة الكومبوند للدخول هذه المرة، يتمني ألا تستقبله زوجته مجدداً بالحديث عن مدام آمال ونظريتها عن انتحار مدام آمال! امام منزله فتح صندوق سيارته ليلتقط حقيبة أعماله فرآي ذلك الكيس الأسود الكبير الذي اسكنته زوجته السيارة منذ شهر طالبةً منه المرور بأحد الجمعيات الخيرية وتسليم فستان زفافها المطبق داخل الكيس. وكما كل أيام الشهر الماضي، في الصباح نوى سعيد تنفيذ طلبها وكما كل يوم ايضاً سهى عن الذهاب. رأى سعيد انه لا بأس ... سيوصله غداً لفرع الجمعية الخيرية المجاور لشركته، فهي أيضاً لم تذكره بالذهاب بل ولم تتصل به طوال اليوم. أضاء سعيد أنوار غرفة تلو غرفة في البيت المظلم تماماً باحثاً عن زوجته، لم يجدها في الدور الأرضي فصعد الدرج الداخلي للعلوي باحثاً ومنادياً بلا جواب. وصل للغرفة الأخيرة غرفة زوجته فتحها وأضاء نورها فلم يجدها ووجد علبة دواء فارغة وملقاة على الوسادة بجوار جثمانها (جثمان هي كلمة لها نفس معنى جثة أو جسمان، وتطلق على الجسد الميت).

Thursday, 4 October 2018

أفضل دور ثاني








أحلام
"على وش القمر على صوت المطر على كل الشجر هكتبلك، هكتبلك يا حبيبي" صوت فايزة أحمد يصل أذاني بينما أضع لمسات خفيفة من المكياج أمام مرآتي، ربما هي المرة الأخيرة التي تنظر فيها عيني لهذه المرآة فالساعة تقترب من العاشرة مساءً، الموعد المتفق عليه مع اسطى هلال ليمر ويقلني للمطار.
أتنقل بين غرف الشقة من واحدة لأخرى لإلقاء نظرة أخيرة على كل شيء. لم تعد هذه الأشياء ملكي، سأترك مفتاح الشقة لحارس العمارة ليتسلمها غداً المالك الجديد الذي بعته الشقة بأثاثها. ألمح ألبوم صور عماد الموضوع وحيداً فوق رف بالمكتبة فألتقطه وأضعه في حقيبة سفري المحتوية على ما سيعبر معي إلى حيث هجرتي. لا يشغلني طول المسافة إلى كندا – وجهة سفري – بقدر ما يشغلني البعد بين من أكون اليوم ومن ستكون أحلام غداً.
أتوقع قدوم هلال خلال دقائق، بل في الأغلب قدوم علاء بدلاً من أسطى هلال. كما يفعل دائماً عندما أطلب من هلال – سائقه الخاص – توصيلي.
أولى المرات كان عماد غائبا في مهمة عمل وجاء علاء متحججاً أنه أرسل هلال في مشوار طارئ وصحبني هو في الطريق الطويل للمنتجع الساحلي.
تلت تلك المرة مرات حتى أيقنت انه يبعد عماد متعمداً ويعرض أن يكون أسطي هلال تحت إمرتي لأكون أنا تحت عينه.
يفعلها دائما ولا يفوت فرصة عندما يكون متأكد من غياب زوجي وصديق عمره عماد. كما الحال الآن وهو متأكد من انتحاره!
بالرغم من أن أخر حديث بيننا كان في عزاء زوجي عماد منذ أسبوع كامل، العزاء الضخم الذي تكفل علاء بكل ترتيباته وتكاليفه. إلا أني أراهن نفسي على أنه سيظهر اليوم لتوديعي.
رنين الهاتف يقطع غناء فايزة أحمد كما قطع شرود أحلام، أحدهما وصل.


علاء :
أداعب أطفالي قبل ان اتركهم وزوجتي وراء باب البيت لأخرج كالعادة في تمام التاسعة مساء. لسنوات طويلة أغادر كل مساء في هذا الوقت لأغراض تتراوح من جلسة شيشة مع أصدقاء من الذكور إلى لقاء ساخن مع احدى حلقات سلسلة السعادة من الجنس الناعم التي لا أتصور حياتي دونها.
أمسية البارحة كانت من نصيب جلسة شيشة مع مؤمن، الصديق القديم المتمم لمثلث صداقة الشباب الذي جمعني وعماد أيضا. التقيت مؤمن بعد سنين بعدت بيننا غربته الطويلة. في ليلة العزاء اتفقنا على هذه الجلسة التي نقصها عماد حضوراً وكان نجمها موضوعاً. يتعجب مؤمن كثيراً لانتحار عماد الذي كان أكثرنا مرحا وبساطة. لا يستوعب مؤمن أن ينتحر من لا يحمل هم غده ومن لا يثقل نفسه بأهداف للحياة أكثر من أن يضحك في يومه أكثر مما ضحك في امسه!  يرى أن أمثال عماد لا يمكن ان تخيب أمالهم فهم لا يتوقعون او يسعون إلى الكثير، بل ولا إلى أي شيء!
بينما أجد الانتحار نهاية غير مستغربة لحياة صديقي ومرؤوسي عماد. التحقنا سوياً فور تخرجنا للعمل في شركات والدي رحمه الله. ومع مرور الوقت وبطبيعة الحال آلت لي إدارة الشركات وملكيتها. فحافظت على أعمال المرحوم كما حافظت على وجود عماد بجانبي مكانياً وأسفل منى وظيفياً. لست متأكد أترتبط أهمية وجود عماد بقدراته واخلاصه اللامحدود؟ أم كما يظن مؤمن أني احتفظت بعماد قريباً مني لأنه يلعب في حياتي دور قطعة الملابس المغسولة بالمسحوق العادي والتي تقارن بتلك المغسولة بالمسحوق السوبر في إعلانات مساحيق الغسيل. عندما يقارن عماد المتعثر دراسياً بعلاء المتفوق، عماد المتردد بعلاء القيادي، المتلعثم بالمتكلم، الهزيل بالرياضي، المنحوس بالمحظوظ. يظن مؤمن أني حافظت على القطعة الباهتة بجانبي لتظهر دائما نصاعتي السوبر! حتى لو افترضت أن ذلك كان من دوافعي، ما الخطأ! فقد دفعت ثمن ذلك مراراً، دفعته عطاء جزل لعماد، عطاء لا يتناسب وعمله مطلقاً. كما دفعته خسائر من مشاريع أدارها عماد بسذاجة فانتهى بها خاسرة! مثل تلك الشراكة الأخيرة التي وضع خطتها لتدر الملايين ثم أنهيناها بعد سنة بعد ضياع مليون دولار مع شريك وهمي.
إن لم ينتحر عماد فلمن وُجد الانتحار، أليس جديراً بمن أدمن الفشل أن يدعوه سقوطه المتكرر للانتحار! بل لكنت اتعجب لو حظي بأفضل من الانتحار كما تعجبت عندما حظي بأحلام الرائعة! التي حدثني كثيراً متفاخراً بحبها له. إلى أن تأكدت بنفسي من زيف مشاعرها نحوه، وصدق حدسي حين باتت قريبة جداً وفي انتظار اشارتي لتصبح أحدث حلقات سلسلة السعادة. لولا عدم رغبتي في خيانة ذكرى صديقي.

ألو هلال، لا تنس اليوم المرور بمدام أحلام وتذكر أن تبلغها تحياتي.


بيكر :

جلست في المقهى منتظراً قهوة الصباح. ربما تساعدني القهوة على اليقظة حيث لم أنم إلا ساعتين قبل رحلتي من كينجستون وقيادة سيارتي ثلاثة ساعات أوصلتني إلى هنا في تمام السابعة. وجود المصريين في كينجستون أقل كثيراً من وجودهم هنا ولذلك السبب اخترتها للإقامة.
-         مستر بيكر ... مستر بيكر، يكررها النادل من خلف البار بصوت أعلى حتى ينتبه صاحب المشروب.
أكثر ما يعجبني في القهوة الأمريكية هو انها تنقع لمدة طويلة على درجة حرارة أقل من درجة الغليان فتخرج أقصي ما يمكن من عصارة البن. اعمل دوماً بنصيحة أبي رحمه الله بأن أسيّر كل اموري بهدوء حيث ان أطيب الطعام ما طهي على نار هادئة. لا أستطيع أن أحدد هل طهوت اخر طبخاتي أم طهتها زوجتي، علنا تشاركنا في الطهو فكانت النتيجة رائعة. بهدوء شديد حصلت على ما أستحق من صديقي بلا زيادة او نقصان.
-         مستر بيكر، يأتي النادل إلى طاولتي مقدماً حاملاً كوب القهوة على صينية بلاستيكية فيضعها أمامي وينصرف سريعاً.
سأعتاد أسمي الجديد قريباً، فأنا من قلة أسعدهم الحظ فأتاح لهم فرصة اختيار أسمائهم. لن أفتقد أسمي السابق لقد استخدمته كثيراً على أي حال واستحققت أسم جديد غير مستخدم. لم أستوعب حزن زوجتي على اسمها حين قررنا استبداله وان كنت حاولت تخليده في اسم الشركة التي أنشأتها أو بالأحرى ادعيت وجودها هنا في كندا وأسميتها "سويت دريمز"
من مقعدي في مقهى تيم هورتون امام بوابة الوصول بمطار بيرسون الدولي بتورنتو، أري تغير البيانات على شاشة المثبتة أعلى البوابة لتعلن وصول الرحلة رقم (MS995) القادمة من القاهرة.
أخيراً وبعد خروج اغلب ركاب الرحلة ظهرت أحلام، أحلام سابقاً. هل تذكرت إحضار البوم صوري؟!