Thursday, 6 June 2019

أكثر من تبول في لمح البصر


بهلول :
على مشارف مدينة السادس من أكتوبر و في الطريق لمدينة الإنتاج الإعلامي ،تمر سيارة سوداء يقودها سائقها بتأن بينما يحتل بهلول مقعدها الخلفي مندمج في محاولاته التنشيطية. يحاول الفنان بهلول تنشيط ذاكرته ليتذكر أفضل الإجابات التي يرد بها على أسئلة المقابلات التليفزيونية كتلك التي سيكون ضيفها الليلة. ليست المقابلة الأولى على أي حال فقد إعتاد هذه اللقاءات كشخصية عامة وضيف لم تخل من حضرته قناة فضائية ،لكن على الرغم من ذلك يقوم بهلول دائماً بما عليه من تحضير قبل كل ظهور فضائي ليظهر في أفضل صوره.
علي الرغم من أن بهلول لم ينل حظاً من الشهرة قبل العامين الأخيرين، إلا أنه يملك الكثير من الأعمال و الإنجازات المدعومة بمخزون من المبادئ والقيم التي ورَثَه بعضها والداه و علمته الحياة بقيتها. مخزون بلا شك يصلح ليكون هيكل صلب لحديثه في برنامج الليلة. الهيكل يكفي بدون الخوض في الأمثلة الكثيرة وتفاصيلها ،فالعامة عادة ما يسيئون فهم التفاصيل و ينحرفون في تفسيرها.
إن دار الحديث عن الحب والزواج ،سأتحدث عن تمسكي بقيمنا الأصيلة حين اخترت شريكة حياتي ،سأروي تجاهلي تلك الفتاة الغير ملتزمة التي زاملتني الدراسة و العمل وحاولت مراراً التقرب مني بطرق جريئة وقحة لا تناسب الفتاة الشرقية التي يكمن جمالها في حيائها و تفضيلي الاقتران بأم أولادي ودخولي إليها من باب اسرتها الرحب.
قد يكون من المناسب أيضاً أن أوجه نصائحي للشباب من الأباء بالحرص على أبنائهم وتفوقهم الدراسي و احكي تجربتي مع ابنتي سما التي لم يشغلني شغفي الفني عن متابعة دراستها ، بالتأكيد سيصفق الجمهور عندما أذكر حصولها على المركز الأول على مستوى مدرستها في نهاية كل عام دراسي.
سأنوه كالعادة إلي أن اهتمامي بابنتي يأتي من تعاطف جارف مع الشباب عموماً وقناعتي بانهم هم فقط من يملك أدوات المستقبل. و انطلاقاً من هذا الإيمان والحب كان موفقي المتسامح مع شباب المواقع الاجتماعية في قضيتي معهم.
وعن دخولي لعالم الدراما التليفزيونية سيكون حديثي عن موهبتي التي لم أفطن إليها طيلة اربعة عقود من عمري إلي ان تعرف عليْ المخرج سبيلبرج التطاوي صدفة و سأروي إصراره على أن يسند لي دور رئيسي في الجزء الجديد من مسلسله التليفزيوني الشهير بعد ما لمح في عيني لمعة لا تظهر إلا في عين نجم كما عبر سبيلبرج.

عامر السعيد:
نشأ عامر في أسرة متوسطة العدد مكونة من أب و أم متوسطي التعليم وثلاثة أطفال متوسطي الذكاء ، تسكن في حي متوسط المستوي في الدور الثاني (الأوسط) لبناية مكونة من ثلاث طوابق. الاستثناء الوحيد لهذه الحالة الوسطية كان في تطرف الأسرة الحاد ناحية الالتزام، التزامهم الحرص على المال. حفظ عامر عن ظهر قلب حكمة أبيه "لا تدفع أبداً ما يمكن أن يدفعه عنك شخص آخر" وعمل بها طفلاً في الماضي و أباً راشداً في الحاضر . وهو يجد في تطبيقه لسنة أبيه براً لوالده و يعد تطوير نظرية الوالد لتشمل مع المال الجهد أيضاً تخليداً و استمرارية لرسالة والده في الحياة.
بر عامر لوالده لم يكن بالفعل الهين ،بل دفع عامر ثمناً لحفظه وصايا الوالد فقد وصفه الناس بالشح و ابتعدوا عنه خاصة في البدايات .فقط ليلى هي من شذت عن هذا العزوف منذ ان قابلت عامر علي مقاعد الدراسة ثم مكاتب الشركة التي عملا بها سوياً بعد أن توسطت له ليلحق بها بعدها. و استمرا في علاقة ازدادا فيها تقرباً عبر عامر معها حد الزمالة ثم الصداقة ثم حدود أخرى بما فيها ما اعتبرته ليلى اغلى ما تملك.  لم يوقف عبور عامر إلا العلم ، كان ذلك حين علم أن لرئيس مجلس إدارة الشركة ابنة في عمر الزواج.
فكان أن تاب عن خطاياه و أعلن هدفه في الحياة تكوين اسرة سعيدة محافظة و حرص ان يعلم أهدافه الجميع على عكس ما استعان به من كتمان عند عبوراته السابقة.
تمت الزيجة  المنشودة ونقلت عامر من طابور موظفي الشركة إلي حلقة صناع القرار فيها حيث استعان بالصبر انتظاراً لموت حماه العزيز لينتقل إلي مصاف مالكي الشركة. و خلال ذلك الانتظار استعان بعمولات بسيطة من المتعاملين معه تصل برصيده لما يكفي لتحقيق ذمة ماليه منفصله عن مال زوجته و ابيها.
ساعده هذا الرصيد المتنامي في الحفاظ على تفوق ابنته الوحيدة بأن جزل العطاء لمدرستها ،عطاء مشروط بتخطيها للمتفوقين من الطلاب لتكن الأولى دائماً.
احقاقاً للحق لم يستفد عامر مادياً من كل من سهل لهم صفقاتهم مع الشركة ، خير مثال على ذلك المهندس سعد التطاوي الذي رفض عامر تصاميمه التي عرضها لمشروع الشركة المستقبلي عدة مرات بل ورفض رفضاً قاطعاً تلميحاته بما يمكن ان يدفعه له علي سبيل العمولة . ولم يقبل هذه التصاميم الا بعد أن نفذ سعد وعده بالتوسط لدى أخيه المخرج سبيلبرج التطاوي الذي أذعن مجبراً لشرط ظهور عامر في مشاهد مسلسله الشهير.
لم يستطع عامر ان يحدد هل كان سبيلبرج حسن النوايا ام خبيثها بعد ان قام بتمثيل مشاهده في مسلسل "في لمح البصر" والتي زادت عن عشرين مشهد خلال خمسة عشر حلقة، فكل المشاهد هي لشخص عابر في مكان تواجد الابطال وحوارهم الذي لا يتدخل فيه، حيث يظهر عامر في الخلفية يبحث بعينه عن مكان مناسب  يدخله او يقف فيه ثم يتبول !
جنّ جنون عامر عندما أخبرته زوجته بصوره التي تملأ صفحات التواصل الاجتماعي مصحوبة بهاشتاج # أكثر_من_تبوّل_في_لمح_البصر. بل وتحدث مع محاميه ليبدأ في الإجراءات اللازمة لغلق الصفحة التي تبحث عن هوية هذا الممثل الذي يظهر يومياً فقط ليتبول على الشاشة خارج أي سياق، الصفحة التي أطلقت عليه اسم بلبول
أنقذته نصيحة سما -التي ما ظلمت فشبهت اباها وجدها- فلفتت نظره إلي الدعاية التي تقوم بها هذه الصفحات له ولو عن دون قصد، ونصحته استغلال موجة انتشاره هذه. فقد بات الناس كل ليلة خلال عرض "في لمح البصر " يتكهنون بالمفاجأة التي حتماً سيفجرها المتبول بلبول في حلقة ما. البعض راهن على انه الاب الحقيقي لبطلة المسلسل وآخرون توقعوا أن تكشف الحلقة الأخيرة أن إبليس هو من كان يوسوس لكل الأبطال العمل وأنه تجسد في صورة بلبول المتبوّل الدائم. في النهاية لم يحدث هذا ولا ذاك ولكن حدث الأهم بالنسبة لعامر وهو ان صار هدفاً لأغلب المسلسلات -و إن تم حصره في البداية في أدوار المتبوًل-  ليصبح أشهر من تبوّل في الدراما و أطلق على نفسه اسم بهلول. بفعل عوامل الوقت والنسيان غاب "أكثر من تبول..." كلقب و لكنه بقي كمضمون لما يلعبه بهلول من أدوار أمام الكاميرات كما في برنامج الليلة أو بعيداً عنها في كل نهار وليلة.

Saturday, 3 November 2018

على مالا يرام




ملعقة من زيت الزيتون، أخرى من عسل النحل وكوب من الماء الفاتر، في كامل هندامه غادر سعيد البيت قاصداً عمله بعد أن بدأ يومه بداية صحية (صحية: كلمة تطلق على الأشياء التي يُعتقد انها تحافظ على كفاءة الجسم البشري او التي تطيل عمر الجسم الذي لا نعرف فائدة من إطالة عمره).

على عكس الهدوء الصباحي المعتاد في المجمع السكني الذي يسكنه، شاهد سعيد مجموعة من العمال يحملون أدواتهم ويدخلون الفيلا المجاورة لفيلته. واستنتج أنهم أخيراً سيبدؤون في ترميم الفيلا بعد حادث الحريق الذي أتى عليها منذ شهرين كما أتي على ربة المنزل مدام آمال. ألقي نظرة على المنزل المحترق ومن ثم التفت إلى طريقه ليخرج إلى شوارع التجمع الخامس متجاوزاً بوابة الكومبوند (الكومبوند: محل إقامة اُستحدث في القاهرة مع بداية الألفية الثالثة، انتشر ذكره في بداية العقد الثاني من الألفية ثم أصبح شارة الوجاهة الاجتماعية في النصف الثاني من العقد الثاني).

ترميم منزل الجيران حدث لا يخص سعيد في شيء، غير ان سعيد يظن أن ترميم المنزل سيجعل زوجته تنسى هذ الحادث. سأم سعيد من نقاشات زوجته المتكررة حول هذا الحادث وتصميمها على أن الحادث لم يكن حادثاً! فهي لا تتفق مع رواية الجميع بما فيهم أجهزة البحث الجنائي التي حققت في الحادث! تبرأ زوجته الماس الكهربي من التسبب بالحريق وتتهم مدام آمال نفسها! تعتقد أنها انتحرت بإشعال النار في نفسها وهي وحيدة في المنزل بعد خروج زوجها وابنيها. قد ينجح إخفاء معالم الحريق في سحب الحادث من ذاكرة زوجته وفي إثناءها عن ترديد رواية الانتحار والدفاع عن اعتقاد يصل إلى اليقين (اليقين: هو ذلك الوهم الذي يظن الانسان او يتظاهر أنه وصل إليه وانه قد ترك له التحكم فيما قد يفعل او لا يفعل).

تردد زوجته انها قبل شهر من الحادث لاحظت علامات دالات على ما تنوي مدام آمال فعله. فقد توقفت عن متابعة حديقتها وهي التي كانت تعتني بها وتنسقها بنفسها يومياً طوال أعوام. وترجح ان مدام آمال في هذه الفترة عانت من حالة اكتئاب شديد نتيجة شعورها بالوحدة وبأنها في هذه الدنيا غير ذات أهمية (الأهمية: هي مقياس مهم تستخدمه الزوجات، تتناسب سعادتهن معه تناسباً طرديا و شعورهن بهذه الأهمية هي مسئولية خالصة تقع على ازواجهن).

وكما تري زوجته فإن المقدم على الانتحار يتعمد ارسال بعض الرسائل لتكون بمثابة فرصة أخيرة يعطيها لمن حوله لإصلاح ما أفسدوه وما يدفعه لترك هذه الحياة. الانقطاع عن عادات مبهجة أو التخلص من مقتنيات ذات قيمة كبيرة لدي أصحابها تعتبر الأكثر استخداماً كرسائل قبل الانتحار (تختلف رسائل قبل الانتحار عن رسائل المنتحرين ففي الأولي محاولة لتغيير واقع لا يطيقه صاحبه أما الثانية فهي تصل بعد إنهاء الحياة وتحتوي غالباً أسباب الانتحار ويكون الغرض منها تخفيف الألم لدى المحيطين حتى لا يشعروا بالذنب أو زيادة الألم لدى المحيطين وإشعارهم بالذنب).

في المساء تجاوز سعيد بوابة الكومبوند للدخول هذه المرة، يتمني ألا تستقبله زوجته مجدداً بالحديث عن مدام آمال ونظريتها عن انتحار مدام آمال! امام منزله فتح صندوق سيارته ليلتقط حقيبة أعماله فرآي ذلك الكيس الأسود الكبير الذي اسكنته زوجته السيارة منذ شهر طالبةً منه المرور بأحد الجمعيات الخيرية وتسليم فستان زفافها المطبق داخل الكيس. وكما كل أيام الشهر الماضي، في الصباح نوى سعيد تنفيذ طلبها وكما كل يوم ايضاً سهى عن الذهاب. رأى سعيد انه لا بأس ... سيوصله غداً لفرع الجمعية الخيرية المجاور لشركته، فهي أيضاً لم تذكره بالذهاب بل ولم تتصل به طوال اليوم. أضاء سعيد أنوار غرفة تلو غرفة في البيت المظلم تماماً باحثاً عن زوجته، لم يجدها في الدور الأرضي فصعد الدرج الداخلي للعلوي باحثاً ومنادياً بلا جواب. وصل للغرفة الأخيرة غرفة زوجته فتحها وأضاء نورها فلم يجدها ووجد علبة دواء فارغة وملقاة على الوسادة بجوار جثمانها (جثمان هي كلمة لها نفس معنى جثة أو جسمان، وتطلق على الجسد الميت).

Thursday, 4 October 2018

أفضل دور ثاني








أحلام
"على وش القمر على صوت المطر على كل الشجر هكتبلك، هكتبلك يا حبيبي" صوت فايزة أحمد يصل أذاني بينما أضع لمسات خفيفة من المكياج أمام مرآتي، ربما هي المرة الأخيرة التي تنظر فيها عيني لهذه المرآة فالساعة تقترب من العاشرة مساءً، الموعد المتفق عليه مع اسطى هلال ليمر ويقلني للمطار.
أتنقل بين غرف الشقة من واحدة لأخرى لإلقاء نظرة أخيرة على كل شيء. لم تعد هذه الأشياء ملكي، سأترك مفتاح الشقة لحارس العمارة ليتسلمها غداً المالك الجديد الذي بعته الشقة بأثاثها. ألمح ألبوم صور عماد الموضوع وحيداً فوق رف بالمكتبة فألتقطه وأضعه في حقيبة سفري المحتوية على ما سيعبر معي إلى حيث هجرتي. لا يشغلني طول المسافة إلى كندا – وجهة سفري – بقدر ما يشغلني البعد بين من أكون اليوم ومن ستكون أحلام غداً.
أتوقع قدوم هلال خلال دقائق، بل في الأغلب قدوم علاء بدلاً من أسطى هلال. كما يفعل دائماً عندما أطلب من هلال – سائقه الخاص – توصيلي.
أولى المرات كان عماد غائبا في مهمة عمل وجاء علاء متحججاً أنه أرسل هلال في مشوار طارئ وصحبني هو في الطريق الطويل للمنتجع الساحلي.
تلت تلك المرة مرات حتى أيقنت انه يبعد عماد متعمداً ويعرض أن يكون أسطي هلال تحت إمرتي لأكون أنا تحت عينه.
يفعلها دائما ولا يفوت فرصة عندما يكون متأكد من غياب زوجي وصديق عمره عماد. كما الحال الآن وهو متأكد من انتحاره!
بالرغم من أن أخر حديث بيننا كان في عزاء زوجي عماد منذ أسبوع كامل، العزاء الضخم الذي تكفل علاء بكل ترتيباته وتكاليفه. إلا أني أراهن نفسي على أنه سيظهر اليوم لتوديعي.
رنين الهاتف يقطع غناء فايزة أحمد كما قطع شرود أحلام، أحدهما وصل.


علاء :
أداعب أطفالي قبل ان اتركهم وزوجتي وراء باب البيت لأخرج كالعادة في تمام التاسعة مساء. لسنوات طويلة أغادر كل مساء في هذا الوقت لأغراض تتراوح من جلسة شيشة مع أصدقاء من الذكور إلى لقاء ساخن مع احدى حلقات سلسلة السعادة من الجنس الناعم التي لا أتصور حياتي دونها.
أمسية البارحة كانت من نصيب جلسة شيشة مع مؤمن، الصديق القديم المتمم لمثلث صداقة الشباب الذي جمعني وعماد أيضا. التقيت مؤمن بعد سنين بعدت بيننا غربته الطويلة. في ليلة العزاء اتفقنا على هذه الجلسة التي نقصها عماد حضوراً وكان نجمها موضوعاً. يتعجب مؤمن كثيراً لانتحار عماد الذي كان أكثرنا مرحا وبساطة. لا يستوعب مؤمن أن ينتحر من لا يحمل هم غده ومن لا يثقل نفسه بأهداف للحياة أكثر من أن يضحك في يومه أكثر مما ضحك في امسه!  يرى أن أمثال عماد لا يمكن ان تخيب أمالهم فهم لا يتوقعون او يسعون إلى الكثير، بل ولا إلى أي شيء!
بينما أجد الانتحار نهاية غير مستغربة لحياة صديقي ومرؤوسي عماد. التحقنا سوياً فور تخرجنا للعمل في شركات والدي رحمه الله. ومع مرور الوقت وبطبيعة الحال آلت لي إدارة الشركات وملكيتها. فحافظت على أعمال المرحوم كما حافظت على وجود عماد بجانبي مكانياً وأسفل منى وظيفياً. لست متأكد أترتبط أهمية وجود عماد بقدراته واخلاصه اللامحدود؟ أم كما يظن مؤمن أني احتفظت بعماد قريباً مني لأنه يلعب في حياتي دور قطعة الملابس المغسولة بالمسحوق العادي والتي تقارن بتلك المغسولة بالمسحوق السوبر في إعلانات مساحيق الغسيل. عندما يقارن عماد المتعثر دراسياً بعلاء المتفوق، عماد المتردد بعلاء القيادي، المتلعثم بالمتكلم، الهزيل بالرياضي، المنحوس بالمحظوظ. يظن مؤمن أني حافظت على القطعة الباهتة بجانبي لتظهر دائما نصاعتي السوبر! حتى لو افترضت أن ذلك كان من دوافعي، ما الخطأ! فقد دفعت ثمن ذلك مراراً، دفعته عطاء جزل لعماد، عطاء لا يتناسب وعمله مطلقاً. كما دفعته خسائر من مشاريع أدارها عماد بسذاجة فانتهى بها خاسرة! مثل تلك الشراكة الأخيرة التي وضع خطتها لتدر الملايين ثم أنهيناها بعد سنة بعد ضياع مليون دولار مع شريك وهمي.
إن لم ينتحر عماد فلمن وُجد الانتحار، أليس جديراً بمن أدمن الفشل أن يدعوه سقوطه المتكرر للانتحار! بل لكنت اتعجب لو حظي بأفضل من الانتحار كما تعجبت عندما حظي بأحلام الرائعة! التي حدثني كثيراً متفاخراً بحبها له. إلى أن تأكدت بنفسي من زيف مشاعرها نحوه، وصدق حدسي حين باتت قريبة جداً وفي انتظار اشارتي لتصبح أحدث حلقات سلسلة السعادة. لولا عدم رغبتي في خيانة ذكرى صديقي.

ألو هلال، لا تنس اليوم المرور بمدام أحلام وتذكر أن تبلغها تحياتي.


بيكر :

جلست في المقهى منتظراً قهوة الصباح. ربما تساعدني القهوة على اليقظة حيث لم أنم إلا ساعتين قبل رحلتي من كينجستون وقيادة سيارتي ثلاثة ساعات أوصلتني إلى هنا في تمام السابعة. وجود المصريين في كينجستون أقل كثيراً من وجودهم هنا ولذلك السبب اخترتها للإقامة.
-         مستر بيكر ... مستر بيكر، يكررها النادل من خلف البار بصوت أعلى حتى ينتبه صاحب المشروب.
أكثر ما يعجبني في القهوة الأمريكية هو انها تنقع لمدة طويلة على درجة حرارة أقل من درجة الغليان فتخرج أقصي ما يمكن من عصارة البن. اعمل دوماً بنصيحة أبي رحمه الله بأن أسيّر كل اموري بهدوء حيث ان أطيب الطعام ما طهي على نار هادئة. لا أستطيع أن أحدد هل طهوت اخر طبخاتي أم طهتها زوجتي، علنا تشاركنا في الطهو فكانت النتيجة رائعة. بهدوء شديد حصلت على ما أستحق من صديقي بلا زيادة او نقصان.
-         مستر بيكر، يأتي النادل إلى طاولتي مقدماً حاملاً كوب القهوة على صينية بلاستيكية فيضعها أمامي وينصرف سريعاً.
سأعتاد أسمي الجديد قريباً، فأنا من قلة أسعدهم الحظ فأتاح لهم فرصة اختيار أسمائهم. لن أفتقد أسمي السابق لقد استخدمته كثيراً على أي حال واستحققت أسم جديد غير مستخدم. لم أستوعب حزن زوجتي على اسمها حين قررنا استبداله وان كنت حاولت تخليده في اسم الشركة التي أنشأتها أو بالأحرى ادعيت وجودها هنا في كندا وأسميتها "سويت دريمز"
من مقعدي في مقهى تيم هورتون امام بوابة الوصول بمطار بيرسون الدولي بتورنتو، أري تغير البيانات على شاشة المثبتة أعلى البوابة لتعلن وصول الرحلة رقم (MS995) القادمة من القاهرة.
أخيراً وبعد خروج اغلب ركاب الرحلة ظهرت أحلام، أحلام سابقاً. هل تذكرت إحضار البوم صوري؟!

Saturday, 12 March 2016

رأيت في أحلامهم





اليوم الأول :
اليوم سأبدأ تدوين كتابي ، ليس أول كتاباتي إذا إعتبرت ردودي اليومية علي قراء باب تفسير الأحلام لمدة عشرة أعوام هي كتابة أدبية. مقالات الصحف تشبه زوبعة في الماء رسمها قارب سريع بمناوراته الرشيقة، قد يثير أُثرها إعجاب من يراه ولكن مهما بلغ جماله لا يصمد أكثر من ثوان قليلة. أريد كتاباً سيكون أثري في هذه الدنيا بعد تركها. كتاب الاحلام ، سأدخل هذا العالم المثير من مدخل مختلف عما إعتدت كتابته بل وعما اعتاد الجميع قرائته. لن أفسر رؤى في هذا الكتاب لكني سأتحدت عن ظاهرة الأحلام بشكل اعمق مما كتبه الجميع . سأكتب عن عالم الأحلام كما رأيته خلال عامين أراقبه فيها عن قرب. " الأحلام ... أعتقد أنها من أقدم الظواهر الأنسانية التي عرفها البشر بل والحيوان أيضاً وربما إذا تقدم العلم سنكتشف أن النباتات والكائنات الأولية تحلم أيضاً بصورة أو بأخري......."

اليوم الخامس :  
سأبدأ الأن ساعاتي المقدسة، واظبت علي ساعات الكتابة اليومية منذ خمسة أيام كما لم اواظب علي شيء في الأعوام الماضية . وكأن قريني جن الكتابة قد ترك وادي عبقر السحيق وقرر الإستقرار في المدينة ليلازمني ويوقظ بنات أفكاري النائمة.  لأسليه الأن بالكتابة ، هذه هي الوسيلة الوحيدة للإحتفاظ به بدل من أن ينشغل عني مرة اخرى . "لابد أن تكون الأحلام هي اول ما لفت إنتباه الإنسان لإستخدام خياله . اول شيء رآه بعيداً عن واقعه الملموس فأخبره انه قادر علي تصور مالا يراه وأن يبتكر ما لم يوجد في بيئته . فكان الحلم هو أول خطوات البشرية للتخيل فالمحاولة ثم الوصول للإبداع فالإختراع ........"

اليوم الثلاثون :
 تلقيت اليوم رسالة من أمل تقول فيها " حلمت بك " . كانت هذه هي الإشارة الخضراء لأتصل بها . أمل ليست صديقة الطفولة فحسب ، هي أول من شجعتني علي دخول عالم الأحلام ، كانت تراني كاتب موهوب وتري أن مواظبتي علي كتابة أي شيء و إن كان تفسيرات سطحية لأحلام المراهقين سييجعلني بالتدريج أديب متمكن . بدأت بتفسير الأحلام في بعض المواقع الشبابية على الإنترنت وبعد ذلك انتقلت إلي التفسير في الصحف اليومية والمجلات . وبدلا من أن يفتح لي ذلك أبواب الكتابة والأدب فتح لي نوافذ الشهرة فطرت احلق في الفضائيات في برامج تفسير الأحلام .أخذتني أحلام المتصلين بل المتصلات في أغلب الأحوال فأنستني حلمي أنا . 
ربما أتصل بها غداً لتفسير حلمها ، أفضل أن أستمر في كتابة خبرتي في عالم الأحلام " نحن لا نفسر أحلام الأخرين ، ما نفسره هو روايتهم لما رأوه في الأحلام . تلك الرواية تتأثر كثيرا بعقل الإنسان الباطن وبنظرته للأشياء وبما يشغل باله وكذلك بما يسكنه من معتقدات وأفكاروتتأثر تلك الرواية أيضاً بقدرة الراوي علي الوصف وبقوة ذاكرته . لذلك اعتقد أن أقدر إنسان علي تفسير حلمك هو أنت نفسك ، أنت يا من رأيت الحلم ويا من هو الأكثر قرباً لعقلك الواعي و غرفه وعقلك الباطن وأغواره......" 

 اليوم الخامس والثلاثون :
نسيت مكالمة أمل ! سأهاتفها الأن ، لا أريد توترات في صداقتي بها تلك الصداقة الطويلة التي بدأت منذ الطفولة و إمتدت حتي الأن مروراً بفترات تقارب وتباعد ، إتفاق و إختلاف ولكن الثابت الوحيد طوال علاقتنا هي حواجز الإنكار . تلك الحواجز التي وقفت أمام التعبير عن مشاعرها وحالت دون إلتقاء طريقانا المتوازيان .

         -         أسف علي التأخير أمل
         -         بل تأخرت علي ذاتك ، فالحلم الذي أريد تفسيره يخصك أنت
         -         تريدين تفسيرة لكنه يخصني انا ! فلنستمع إذن
         -         رأيتك في طائرة تطير بإرتفاع منخفض ، ومعك بالطائرة ثلاث إناث أحدهن تقود الطائرة والثانية تدفعك لتسقطك من الطائرة والثالثة كنت انت من يريد التخلص منها وإلقائها للخارج.
         -         هممم حلم معقد ذو تفسيرات متعددة وبالطبع كما تتوقعين هناك تفسير لموقفي من كل أنثي علي حدا .
         -         فلتفسر لي ماذل عن كل منهن !
         -         ليس الأن ، ستقرأين التفسير في عدد الغد . لكن أريد أن أعرف ، أي من الثلاثة كنتي ؟
         -         لست واحدة منهن ، لم أكن موجودة في الحلم أساساً .
         -         وليكن ، سأتركك الأن لأعمل علي كتابي. إلي اللقاء
         -         سلام

" من المستحيل أن يرى الإنسان حلماً هو ليس فيه . فوقت رؤيتنا للحلم نعيش فيه كأنه واقع ولا أحد في الواقع يتابع مشاهد وهو غير موجود فيها ولو كان وجودة كمشاهد يري الأحداث . أما من يروي حلمه مصوراً عدم وجوده فيه فهناك خدعة في الأمر ، خدعة منه او من عقله الباطن"

Sunday, 17 January 2016

أنا في إنتظارك



عزيزي الراقد في عالمك السفلي

تحية طيبة وبعد ، اكتب إليك رسالتي بعد أن طال بيننا الفراق وجرت في عقلي الذكريات . نعم انا من إختار الإبتعاد لكنك انت من ضقت بي أولا ، ضقت بي بحجة تغير أحوالي ! مع أن بقاء الحال من المحال . كان لابد أن تعلم ان الدنيا لا تبقي أهلها علي حالهم بل تكسبهم دائماً أبعاداً جديدة .أنت نفسك غيرتك الحياة وتجاربها ، لكني تمسكت بك ولم أشعرك حتي بما تغير فيك . هذا لأني لم أكن أمتلك بديلاً لك ، وعندما لم تترك لي خياراً سوى أن نفترق إستبدلتك بغيرك وكنت أنوي أن يكون ذلك لفترة قصيرة تعود بعدها لإحتوائي . في بداية الأمر حاولت معك كثيراً لكني وجدتك تزداد ضيقاَ كلما تكررت محاولاتي .لم تشفع لي عندك صحبتنا الطويلة ولا مغامراتنا معاً ولاحتى حبي لك .و عندما يأست من عودتك أيضاً قطعت محاولاتي معك.  ولم تزد لقائتنا السريعة عن نظرة جامدة وتفتيشي لجيوبك علي أحظي منك بأي شيء مفيد ولم أحظ . أنا لست مادية وباردة كما تظن ،  في حقيقة الأمر لم أستطع أن أقنع بغيرك بسهولة فرحت أنتقل من بديل إلي أخر ومن لون إلي لون وكأني كنت أبحث عنك فيهم . أستبدلتهم واحد وراء الأخر حتى ظننت أني إنتهيت من ذكراك للأبد .واليوم عندما رأيتك بعد طول إبتعاد وقد تكومت فوقك الأحمال و أنهكتك حتي تركت أتارها عليك من تجاعيد . حين رأيتك عزمت  أن أعود إليك مرة أخري ! ليس الأن بالطبع . فأنا لست مستعدة لذلك بعد ، فالعودة إليك تستوجب الإستغناء عن الكثير مما إكتسبته في خمس سنوات بدونك. لا أستطع ذلك الأن لكني متأكدة أني سأفعل أكون جديرة مرة أخري بلمستك و إحتوائك. سأذهب الأن لتناول العشاء وأعدك بأنه سيكون العشاء الأخير .                                                                                                                إلي لقاء قريب ...

في حياة كل منا بنطلون مقاسه صغير يحتفظ به في ركن مختفي داخل الخزانة علي أمل دائم أن يشجعه وجودة علي إنقاص وزنه ليعود ويرتدية مرة أخري .

  

Friday, 6 March 2015

فرح ... سارة


01:30 ظهراً . بهو فندق خمس نجوم
موظف الإستقبال : ألف مبروك يا مستر حسام ، يخصص الفندق جناح للعروسة لمدة ليلتين وكذلك غرفة لإستخدام حضرتك من الأن وحتي موعد الزفاف في المساء.
حسام : هل وصلت العروسة ؟

01:45 الطابق الثامن من الفندق
تفتح أبواب المصعد ليخرج منه حسام إلي ممر هادئ الإضائة مفروش بسجاد فاخر ، يخرج بعد حسام عامل في الزي الموحد للفندق حاملاً في يد بدلة يلفها غطائها ويده الأخري تجر حقيبة حسام السوداء الصغيرة.
يرشد العامل حسام إلي الجناح 8118 . يدلف العامل ويعلق البدلة في خزانة الملابس بعناية ثم يضع الحقيبة في موضع مخصص لها ويناول حسام بطاقتي فتح الباب متمنياً له زفافً مباركاً و إقامة سعيدة بالفندق .

02:30 مسبح الفندق ذو الشكل المنبعج
يكاد المكان يخلو إلا من نزيلتين ممدتتين علي جانب المسبح ومن حسام داخل الماء يسبح علي ظهره بضربات خلفية بطيئة من ذراعيه تدفع جسمه بسلاسة إلي الوراء .
لو يعود كل شيء إلي الوراء ! لو عاد الزمن بسارة كانت ستختار أن تبقى معي بدل من هذا الذي تزوجته . أعلم أنه ليس للزمن إتجاه عكسي  ، ولكن كل الظروف الأخري يمكن أن ترجع لسابقها .
عملت منذ زواج سارة علي أن أعيد كل ماحولها إلي مايذكرها بي ويدفعها لتعود إلي. ظهرت كثيراً أمامها في أوقات مناسبة حين يشتد خلاف بينها وبين زوجها  فيكون تمسكها به في أقل مستوياته وحاجتها لآخر أعلي مايكون. حرصت أن تُعقد أمامها المقارنات بين إهمال زوجها ومتاعب الزواج وبين إهتمامي ورعايتي الغير مشروطين . كل ذلك لم يفلح . أعدت كل الأشياء إلي ماكانت عليه إلي شيء واحد لم استطع تهيئته أو بمعن أصح لم استطع التخلص منه.
سارة من تلك النساء التي يشكل الزواج لديها حاجز داخل ضميرها يمنعها من حتي التفكير في أخر! لم أستطع إزالة هذا الحاجز ولكني أعرف أن الزمن كفيل به. مثل كل شيء فالحياة يكون هذا السد قوياً وقت بناءه ، الوقت والضغط سيخلقان فيه شقوق وثغرات تجري من خلالها موجات مشاعرها تجاهي إلي أن يُهدم السد أمام أمواج قلبها ويفيض حبها علي ضفتي.
إنتظرت سنة وسنوات وطال إنتظاري ، مرت علي زواجها ثلاث سنوات ولا يزال سد زوجها قائم ! سينهار السد بعد سنوات أطول حينها ستعود تبحث عني وسأكون انا صاحب الزوجة والأسرة وسأفرض انا الشروط التي ترضيني.

03:30 حسام يسترخي في حمام الجاكوزي الساخن .مستسلماً لأثر الماء الدافيء في جسمه ومغمضاً عينيه متخليا ماسيحدث في هذا المساء.
هل ستأتي ؟ لقد تاكدت من وصول بطاقة الدعوة ليدها شخصياً . لكني أشك في شجاعتها وقدرتها على المواجهة. انا اعرف سارة جيداً تتجنب أن تكون الطرف الأضعف.
إذا أتت ستراني في أسعد حال مع غيرها . ليتها تأتي في البداية لتراني أراقص عروس بدلاً منها . سأحضر كلمات مرهفة حساسة لأعبر بها عن سعادتي وحبي بعد إنتهاء الرقصة الأولي . سأقول كم أعد الدقائق الباقية لأختلي بعروسي . هذه الكلمات ستمس أعماق سارة ،فلكم أخبرتني أن الحب الحقيقي يظهر ويلمع عندما يختلي الحبيبين دون غيرهما . لو سمعت سارة ستعلم أنني قد إستبدلتها  . ولا مانع من أنهاء كلمتي بأني نادم  شديد الندم على ما مضي من أيامي قبل أن أقابل عروسي .

04:45 حسام ممداً جسده علي مقعد الشيزلونج بجانب المسبح مرسلاً نظرة سارحة تتأمل البنايات العالية المواجهة للفندق .
في هذه العمارة تسكن  مها . مها من أقرب صديقاتي يجمع بيننا الكثير ، نفس الهوايات ، نفس الأراء الجامحة في الحب والحياة وحتي نفس المواقف السياسية. والأهم من تلك الأشياء أنها أعز صديقات سارة ! تعرفت بهن في نفس الوقت تقريباً . وهي أول من صرحت لها سارة بحبها لي بل وفتنت لي عن حب سارة قبل أن تعترف به سارة نفسها ! أعتبر أن مها هي دفتر مذكرات سارة الذي تدون به كل مايخصها،  وكان من الضروري أن أحافظ علي الدفتر وصفحاته أمام عيني.
ساعدتني مها كثيراً في محاولاتي لإستعادة سارة .هي من كانت تبشرني بأي خلاف بين سارة وزوجها ، وهي من رتبت المصادفات لألتقي بسارة في الأوقات المناسبة وهي أيضاً من أكدت لي وصول دعوة زفافي ليد سارة . من العجيب أن تلعب مها كل هذه الأدوار دون علم أو إنتباه صديقتها لما تفعله!
أعرف أن مها تعشقني و تحسد سارة علي حبي لها . مها متيمة بي قبل أن تتزوج وبعد زواجها وبعد طلاقها أيضاً ! فهي لا تكف عن التلميح بل والتصريح أحياناً بأنها تتمني حبيب مثلي ! لم أتجاوب مع مشاعرها قط ولكني حريص أن لا أمنعها أيضاً وقد أشجعها , فلابد من وجودها الدائم في المشهد . وجودها يزيد من سحر علاقتي بسارة ! يقولون أن الغيرة تزيد الحب حرارة و أعتقد أن الغيرة من أقرب صديقة كفيلة بأشعال مشاعر ظنت صاحبتها أنها إنطفأت .
سياتي يوم تحكي لي مها عن قلب سارة الذي يتمزق شوقاٌ للعودة إلي ! وسيزيد وجود مها من حلاوة المشهد ، تتنازل سارة عن كبريائها و تراها صديقتها تسحق مبادها وتهدم حواجزها للرجوع إلي .

08:00 حسام مستلقي داخل الجناح 8118 أمام شاشة تعرض مباراة كرة قدم مسجلة
دق جرس الباب دقة واحدة لم يستجب لها حسام ،أعقبتها دقتان اخرتان . قام حسام ففتح الباب ليجد أمامه عامل الفندق يناوله مظروفاً قائلاَ : عفواَ يافندم تُركت لك هذه الرسالة في الإستقبال.
شكره حسام وعاد للداخل تاركاً الباب ليُغلق ذاتياً.
كعادة أغلب الناس تفحص حسام المظروف قبل أن يفتحه كأنه يحاول إختبار فراسته و إستنتاج ما بداخله. وجد مظروفاً يحمل شعار الفندق و علي ظهر المظروف قرأ : إلي الأستاذ حسام جناح 8118  من يد الأنسة / فرح موسى
إندهش حسام وفتح المظرف سريعاً ليخرج الورقة الوحيدة بداخله ويقرأ مافيها .
" عذراً حسام، علمت ما يمنعني من إتمام زواجي بك. لا تحاول الإتصال بي التوقيع : فرح "

Wednesday, 8 October 2014

قاضي قضاة الجنة





مذكراتي
محكمة!!!!سمعت الصيحة المهيبة من حاجب الجلسة فسكت كل من في القاعة إلي أن نطقت : بناء على المادة الثالثة من ميثاق الشرف حكمت المحكمة حضورياً علي المتهم سعيد ماضي بجلسات كهربة 80 فولت لمدة ثلاث ساعات ثم الإبعاد النهائي .رفعت الجلسة.
كان ذلك هو أول حكم أنطق به اليوم ، بل في الواقع هو أول حكم أنطق به في حياتي فهذه هي أول قضية في حياتي المهنية كقاضي. قضية مثيرة هزت قلب وعقل وبالذات عقل الرأي العام بالجنة ، وإنه لمن دواعي سروري أن أطلعكم علي محاضر و أحداث و مستندات القضية وكذلك مذكراتي حولها بالتفصيل المختصر.
نسيت أن أعرفكم بنفسي ، أنا شريف الخياط ، قاضي قضاة الجنة.
*****

28 يناير 2020 حوالي السادسة مساء
بلاغ إلي الجمعية العمومية للجنة

أثناء تواجدنا أنا وصاحبي في جلسة إجتماعية رياضية نتابع المواجهة الحاسمة بين الأستاذ عمر والحاج جوزيف في الدور قبل النهائي للبطولة المفتوحة لطاولة الزهر ، حدثنا الحاج جوزيف عند جاره الوافد الجديد سعيد الذي أخبره بأنه مسيحي الديانة مثله وهنا عارضه عمر مؤكداً ان الوافد سعيد تطوع و أخبره أنه مسلم أباً لجد. ما نبهنا جميعاً لأن هذا الجديد وافد غير شرعي متسلل إلي الجنة.دفعنا الحدث لترك جلستنا و إنهاء دور الطاولة فوراً وإعتبار النتيجة تعادل سلبي . ثم إنتقلنا لمحل إقامة المدعو سعيد دون إستبدال زينا الرياضي وتحفظنا علي المدعو سعيد ليتم عرضه علي الجمعية العمومية لسكان الجنة لإبداء الرأي.
توقيع : مجموعة المبلغين الأربعة  م.م.أ.
****
28 يناير 2020 العاشرة مساء
محضر إجتماع الجمعية العمومية الطارئ
بعد جلسة مباحثات طويلة استمرت 70 دقيقة تخللها وصول جميع الأعضاء وشربهم للشاي بالحليب وبعد ان تناول كل عضو حبوب المساء المخصصة له مع بعض الإضافات لراغبي تناول إضافات ، قرر الحضور بالإجماع تعين الموقر/ شريف الخياط في منصب قاضي قضاة الجنة وذلك لنزاهة إسمه وكبر سنه وحسن مظهره ليكون بذلك أول قاضي في مدينتنا. وأوكلت إليه الجمعية النظر في قضية التسلل (الشهيرة إعلامياً بقضية سعيد ماضي) لدراستها والتحقيق فيها و إصدار الأحكام المناسبة.
التوقيع : الجمعية العمومية  ج. ع.
****

مذكراتي
مسؤلية كبيرة بلا شك تلك التي القتها الجمعية العمومية علي عاتقي .قبلت بها سريعاً حيث لم يكن هناك وقت للتردد كان يجب انهاء المحاكمة بل والإنتهاء من تنفيذ الحكم قبل وصول افراد السلطة في الصباح الباكر. أسركم القول لم أكن لأتردد في قبول هذا المنصب ، فهو خطوة مهمة في طريق مشروعي الضخم ! فأنا أخطط لأصبح أول من عاش الحياة الكاملة في العالم وربما في البلاد.وسيتم هذا بعد أن أمر بكل التجارب الممكنة في الحياة فأعيشها و أرصد إحساسي بها. ولقد مررت بأغلب التجارب الحياتية ولل يتبقي أمامي إلا القليل . ومن هذا القليل هو أن أقوم بدور القاضي الذي يحدد مصير الناس بكلمات منه يصادر حرية هذا أو ينهي حياة هذا بناء عي قناعاته وما إرتاح إليه ضميرة. بنهاية هذه القضية التي إنتقلت فيها من مقاعد المشاهدة ثم التحقيق ثم الحكم ،سيسجل التاريخ أنني شريف الخياط أول من أكمل تجربة الحياة الكاملة.
****
28 يناير 2020 11 مساء قاعة المحكمة
محضر الجلسة الأولي لمحكمة الجنة
إنعقدت جلسة المحاكمة ليمثل المتهم المدعو سعيد ماضي أمام قاضي القضاة شريف الخياط ، بحضور أعضاء الجمعية العمومية وكذلك المبلغين الأربعة وبحضوري أنا شخصياً عدنان الكاتب كاتب الجلسة.
القاضي : أين ممثل المبلغين الأربعة؟
جوزيف : حاضر معهم يا سيادة القاضي
القاضي : المتهم سعيد ماضي حاضر ؟
سعيد : انا موجود لكن من انت؟هل انت منهم ! اريد أحد المسؤليين
القاضي : أنا  أكبر المسؤلين هنا و أنصحك ان تجيب علي اسئلتي دون كذب
سعيد : -----
القاضي : مالذي دفعك لدخول الجنة ؟
سعيد : أية جنة! انسيتم انكم تعيشون علي الأرض ، أم تظنون اسواركم العالية والبوابات الحديدية إنتقلت بكم إلي السماء
القاضي : لا دخل لك فيما نسميها لقد وجدنا فيها جنتنا،ولا إيه يا جماعة ؟
ردت جموع الحضور (بما فيهم كاتب الجلسة اللي هو أنا ) في أصوات متقاطعة بجمل مختلفة كلها تؤكد رأي القاضي مثل : أي والله ، يسلم فمك ، هيهييييييييي ... إلي أخره
القاضي : إحم إحم المهم ماالذي دفعك أنت للقدوم
سعيد : أنا نزيل شرعي لي ما لكل نزيل هنا
القاضي : لا تقفز إلي أسئلة لم اسألها ، أنت غير شرعي وتأكدنا من ذلك ، ما الذي دفعك لترك حياة العوام في الخارج  والتسلل إلي منطقتنا أيً كان أسمها ؟
سعيد : أنت لا تعلم ما يدور بالخارج ، من الواضح أنكم انفصلتم عن مجتمعكم الكبير تماما ! ألا تقرأ جريدة أو تشاهد الفضائيات؟
القاضي : نقرأ ونشاهد ولكن بطريقتنا التي لم ولن تتعلموها.ما الذي جاء بك إلي هنا أجب!
سعيد : انا أعزركم لا تعرفوا ماوصلنا إليه من فقر وتوحش .ألم تسمعوا عن عصابات حماية الشوارع التي تأخذ ما يحمله اي شخص عند دخول شوارعهم تحت تهديد السلاح وربما يجبروا المار علي ترك سيارته أيضا. ألم تعرفوا بعائلات تذبح أحد أفرادها من الجوع ليتغذي علي لحمه الأخرون . وربمن سمعتم ولكن عقولكم لا تفهمه .
القاضي : لتدع عقولنا بعيداً عن التحقيق ، لسنا هنا للحكم على عقولنا بل للحكم عليك.
سعيد : يبدو أنكم سعداء بالأعداد المتزايدة التي تموت علي أبواب جنتكم كل يوم والأعداد الأكثر التي تتمني الدخول ولا تجد لذلك سبيل ! لما أنتم فرحون بالعزلة بينكم وبين محيطكم دون أي تعاطف لما نعانيه فالخارج؟
القاضي : نحن لم نفرض هذه العزلة أو نطلبها بل اُجبرنا عليها . وكرر اُجبرنا عليها ! اُجبرنا عليها!
هنا ساد القاعة التصفيق الحاد من كل الحضور (أنا لم أصفق لأني أكتب ولا أستطيع الكتابة أثناء التصفيق )
القاضي : إحم إحم إحييييم أجب علي السؤالي التالي ، كيف تمكنت دخول الجنة؟
سعيد : دخلت بموافقة الإدارة
القاضي : كيف خدعت السلطات لتضمك إلينا ؟
سعيد : دخلت بدون خداع ومعي كل الأدلة من تقارير وخلافه.ثم مد يده بمغلف أصفر لسيادة القاضي.
القاضي رامياً الظرف الأصفر : كل هذا الهري لا يقف لحظة أمام الدليل القاطع الذي أوقع بك .تستطيع أن تخدع السلطات ولكن لن تخدعنا لحظة.
سعيد : وما هذا الدليل القاطع الذي أوقع بي!
القاضي : لا تسأل المحكمة ! أنا فقط من أسأل هنا .
سعيد : حاضر
القاضي : هل لديك أي أسئلة؟
بعض من الحاضرين : هههههههههههههه ( ضحكت معم فأنا أستطيع الضحك أثناء الكتابة)
القاضي واضعاً أصبعه علي فمه : هسسسسسسس . يا سعيد هل لديك أسئلة؟
سعيد : نعم ، ما هذا الدليل القاطع الذي تستندون عليه في عدم مشروعية دخولي منطقتكم؟
القاضي : لقد كذبت علي جوزيف أو عمر او كلاهما ولقد نافقت أحدهم أو كلاهما ونحن ومن هم مثلنا لانكذب ولا ننافق . أوقعت نفسك بنفسك يا حلو
سعيد  منهاراً : لن أخرج من الجنة مهما كان ولن أرجع .إعدموني ولا تعيدوني .
القاضي : بلا خرجنا بلا رجعنا يجب أن أحكم عليك وأن ينفذ الحكم قبل وصول السلطات ، إحجز يابني القضية للحكم بعد المداولة.
خلال ربع ساعة سيطرت الدوشة علي القاعة وكانت أغلب الأصوات هي أصوات تنادي علي محمود الفراش لأحضار شاي أو كوب ماء نصف بارد أو نصف كوب ماء بارد. وبعد هذه المدة أدرك القاضي أنه ليس هناك من يتداول معه وهنا قال للحاجب  : يللا بينا .
الحاجب صائحاً : محكمة!
القاضي : بناء على المادة الثالثة من ميثاق الشرف حكمت المحكمة حضورياً علي المتهم سعيد ماضي بجلسات كهربة 80 فولت لمدة ثلاث ساعات ثم الإبعاد النهائي .رفعت الجلسة.
حرره كاتب الجلسة في ساعته وتاريخه.
التوقيع : كاتب الجلسة  ك.ج.
****
مذكراتي
بعد تنفيذ الحكم وإلقاء المتسلل إلي الخارج وقبل أن أترك نفسي للنوم بعد هذا اليوم القضائي الطويل ، شعرت بالرضا الكامل حيث قمت بواجبي كقاضي علي أتم وجه .
لكني وللأسف لم أصل إلي التجربة الكاملة للحياة ! إكتشف أنه لأعيش الحياة الكاملة ليس علي فقط أن أمر بكل التجارب الممكنة ولكن سيكون علي أيضاً ان أمر بكل تجربة وانا أشعر مشاعر مختلفة بعضها قد يصعب جمعها في موقف مناسبة واحدة ، كالجوع والشبع معا علي سبيل المثال أو اليقظة والنعاس ! مما يعني فشل محاولاتي التاريخية للوصول إلي الحياة الكاملة.
التوقيع: قاضي القضاة ق.ق.

****
أغلق الدكتور راضي صلاح مدير مستشفي الأمراض العقلية الملف الذي كان يقرأ اوراقه بعنف ثم ضرب بقبضته على غلافه وصاح مخاطباً أفراد الطاقم الطبي الملتفين حوله : ده تهريج ! واضح إن المستشفي تكون خارج السيطرة من بعد إنتهاء فترات العمل النهارية!
قال طبيب أصغر سناً فيما يبدو أنه محاولة للتهدئة : لا تقلق يا د. صلاح لقد أعدنا سعيد إلي داخل المستشفي وجاري علاج أثار ماتعرض له من تعذيب.
د.صلاح : ليس هذا مايهمني يا بلال .لا أريد تكرار مثل هذه الأحداث في المستشفى الذي أديره ، أريد أن أوقع اليوم كشف لنوبتجيات 4 أطباء يومياً للبيات بالمستشفي.
د. بلال : تمام يا دكتور .
ثم إلتفت مخابطاً باقي الحضور : إنصرفوا الأن لأقسامكم يا دكاترة و سأرتب معكم خطة النوبتجيات المكثفة .
إنصرف الجميع فلملم بلال أوراقه وقبل أن ينصرف إقترب من د. راضي وقال : لا تنس دعوتي للعشاء في منزلي غدا يا دكتور راضي
د. راضي : وهو كذلك إذا ضمنت لي الطريق إلي منزلك وأن  يكون خالي عصابات حماية الشوارع المنتشرة هذة الأيام.