بعد فشل محاولاته القليلة للعودة إلي أعماق النوم مرة ثانية ،إستيقظ نشيطاً هذا الصباح علي غير عادته في عطلة نهاية الإسبوع مما تعجبت له زوجته كما تعجبت لصوت غنائه أثنا وجوده بالحمام ، مالذي حول الشارد الصامت إلي طائر مغن!
إستمتع بدفئ قطرات الماء علي ظهره وبقية جسمه وهو يسترجع تفاصيل حلمه الجميل الذي صحى منه منذ قليل ، الحلم الذي رأي فيه من أحبها في مقتبل عمره .
علي مائدة إفطار بسيطة ومكررة مثل كل الأسابيع تلذذ بلقيمات الفول بالعيش البلدي محترق الحواف مع كوب الشاي بالحليب ، وكأنه يتذوقها لأول مرة فهو يلوك معها ذكريات حلمه ، كان اللقاء صاخباً وكانت هي فاتنة كعادتها ومندفعة علي غير عادتها إندفاع يؤكد سقوط قلبها أمام أسلحة حبه فذهبت الي حضنة مباشرة أمام الجميع وهي التي لم تكن حتي لتصرح له سراً بكلمة" أحبك " ! كانت فقط تستمع إليه يخبرها حبه وولهه ، تستمع بإبتسامة رضا دون تعليق ، كانت تعلم أن جمالها الفتان يشعل ناره بل ربما كانت تحرص علي ذلك وتستمتع بكلامه عن الرغبة التي تعتمل داخله ! تستمع دون رد منها أو تشجيع لتنأى بملائكيتها عن جرم الهوي ولكن هل هناك رد أبلغ من أنها تزيد زينتها ودلالها كل مرة عن سابقتها ، وهل هناك تشجيع أكتر من حرمانه من أن ينال الملذات فيظن أنه عليه أن يزيد من عشقه المبثوث ليصل لمبتغاه .
منتعشاً يتصفح العدد الإسبوعي لجريدته المفضلة وفي الصفحة العالمية يقرأ خبر عن إقتحام مدينة متمردة من قبل قوات الجيش ، تماماً كما إقتحم هو تحصيناتها في منامه فقد قابل حرارة شوقها و إندفاعها إليه بما يفوق شوقها من لهيب يشعرها بلسعة ألسنته دون أن، يلفحها .فجعل ينزع عنها ملابسها علي أعين الحضور ومن ثم مارس معها الحب في عبثية هائجة و في أوضاع يعجز العقل الواعي علي تخيلها حتي أنه لا يستطيع تذكرها بعد إستيقاظه . لقد غزاها ، أسقط مدينتها التي طالما أستعصت عليه فلم يقترب من أبوابها سائلاً وليس غازيًاً فاتحاً كما فعل بها في حلمه منذ ساعات .
يقود سيارته في شوارع المدينة المزدحمة بزهو وثقة وكأن كل هذا الزحام نزل في الشوارع ليستقبله ، ليستقبل المحارب المغوار بعد غزوته وإنتصاره .يدور في الطرق وتدور معه في سيارته الإسطوانة المدمجة التي لم تفارق سيارته هذه منذ أن إشتراها كما لم تفارق أي سياره إمتلكها من قبل ، ينصت ليسمع إغنياتها ذات الصوت الخافت . مع انتصاف النهار و ازدياد الزحام ضغط علي زر بجواره فأغلق زجاج السيارة فهذا أليق ببهاء قائد لا يجب أن يختلط بعامة الشعب دون حواجز ، فليكن زجاج سيارته بينه وبينهم.
زال حاجز الضوضاء الذي حال بينه وبين الأغنيات ، هذه الأغنية قد حملت منذ سنين أولي رسائل حبه لها وهذه سمعها في طريقه لأول لقاء بها ،الأغنية التالية هي ماكانت تدندن كلماتها أحيان ، والتالية والتالية وكل ما سمع أو غني .
يحاول أن يتذكر تفاصيل غزوته ويبحث عنها في ذاكرته مستنيراً بالمشاهد القليلة التي بدأت تخفت أيضاً كما تخفت الشمس في هذه الساعة ، ذابت ذكريات ما رآى لدرجة انه تشكك هل راي ذلك الحلم فعلاُ أم هو يتمناه.
شرد ذهنه مع ما تحمله الأغنيات فكانت له إشارات المرور وعلامات الإتجاه في الشوارع التي تشابهت عليه وأخذت تسلمه من شارع إلي أخر كتائه فقد بوصلته حتي أوقف سيارته ليستعيد تركيزه وللرد علي مكالمة زوجته التي تذكره بموعد التجمع العائلي وسألته قبل إنهاء المكالمة "أين أنت؟" أجاب بتمتمات منهياً المكالمة ثم حاول معرفة الإجابة و إسترجاع وجهته فتلفت حوله ليري بيوت ووجوه تشابهت عليه ورآى لافتة "شارع الشيخ شمس" و المنزل رقم 34 فأدرك انه يقف أمام البيت القديم الذي سكنته حبيبته .
حرر عينه من النظارة الشمسية ورأسه من القبعة ذات اللون الزيتي وجد أخيراً الطريق إلي منزله و سجل فشل إنتفاضة جديدة لتحرير قلبه من إستعمارها المستبد.

No comments:
Post a Comment